عدلى يكن باشا - مفاوضاته مع اللورد كيرزون

في 1 يوليو 1921 وصل رئيس الوزراء المصري عدلي يكن إلى لندن ، ليتفاوض مع اللورد كورزون George Nathaniel Curzon وزير خارجية بريطانيا، لإنهاء الأحكام العرفية والحماية البريطانية المفروضة على مصر سبع سنوات كاملة ، منذ ديسمبر 1914، وإنهاء الإحتلال البريطاني ومنح البلاد إستقلالها ، عقد كيرزون ستة إجتماعات مع عدلي خلال شهري يوليو وأغسطس واجتمع عدلي مع لندساى وكيل وزارة الخارجية البريطانية خلال الشهرين التاليين سبتمبر وأكتوبر .
 اللورد جورج كورزون
محضر الجلسة الأولى بين حضرة صاحب الدولة عدلي يكن باشا رئيس الوفد الرسمي المصري وبين اللورد كيرزن وزير الخارجية البريطانية في يوم الثلاثاء ١٢ يوليه سنة ١٩٢١ بوزارة الخارجية ، افتتحت الجلسة الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر بوزارة الخارجية.

 اللورد كورزون - (بدأ الحديث بالترحيب بالوفد الرسمي بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الحكومة الإنجليزية): أرجو أن نوفق إلى الوصول إلى حل مرض، وإن لم تكن المسألة المصرية تخلو من الصعوبة. وقد كان المظنون بعد عودة سعد باشا زغلول إلى مصر أن يقع تعيين الوفد الرسمي الذي يوكل إليه المفاوضة مع بريطانيا العظمى في جو اتحاد واتفاق لا في جو انشقاق وانقسام - إنى لا أعرف سعد باشا زغلول، ولكن يظهر لى أنه على شىء من الغرور، ولست أريد أن أتعرض للأسباب التي أدّت إلى هذا الانقسام. غير أنى أتخيل أنه سيجعل مهمتكم شاقة. إذ بينما تفاوضون هنا يجب ألا يفوتكم ما يجرى في بلدكم. ثم إن مهمتنا من جهة أخرى لا تخلو أيضاً من الصعوبة، إذ إن تقرير اللورد ملنر قوبل من بعض الناس هنا بالدهشة . إن الحكومة الإنجليزية لم تعلن قراراها بشأنه، وكل ما أعلنته في هذا الصدد هو الرسالة التي أبلغت إلى عظمة السلطان بواسطة المارشال أللنبى. وعلى أي حال فإن الغرض هو أن نصل بالرغم من هذه الصعوبات إلى حل يرضى البلدين، وقد حرصت أن يكون لى معك مقابلة أولى. لأعرف إن كنت تريد أن تفضى إليّ بشئ، وإنى أرغب أن نبدأ حديثنا فى المسألة المصرية بلا مهل أو ابطاء. والمفهوم طبعا أن لكلينا أن يتكلم بكل حرية، وسيقع حتما أنكم تطلبون مطالب لا يسعنى قبولها، وإنى أطلب مطالب لا يسعكم قبولها أيضا، لنتذرع تلقاء ذلك بشئ من الصبر والأناة ورغبة التفاهم والاتفاق، إذ ليس ما يبعث على القول بأنه إذا ثار بيننا خلاف سوف لا نستطيع أن نتفاهم ونتفق بشأنه. وأرجو أن تبقى المفاوضات مكتومة عن الجمهور، وأن يتجنب تبليغ أخبارها للصحف كما تجنبنا ذلك بالنسبة لجلسات مؤتمر ممثلى الأملاك المستقلة.

عدلي باشا- (بعد أن شكر اللورد كيرزن): إني سعيد أن أرى القائم على أمور خارجية إنجلترا قد أدرك الصعوبات التي تكتنف الوفد الرسمي، والتي تضطره أن ينظر إلى ما وراءه، وأرجو أن تراعوا هذه الصعوبات في المناقشات الآتية. على أن الواقع في أمر الخلاف السائد في مصر أنه لا يرجع إلا إلى مسألة أشخاص، وليس، هناك إلا رأي واحد، و إذا استثنينا الحزب الوطني، الذي لا يتبعه إلا فئة صغيرة والذي لا يبغي اتفاقا مع أحد، فإن إجماع المصريين تقريبا واقع على الرغبة في المفاوضة للحصول على استقلالهم وعلى إلغاء الحماية تبعا لذلك، وقد سبق للحكومة الإنجليزية أن صرحت بواسطة المارشال أللنبي باستعدادها لإلغاء الحماية، كما أن لجنة اللورد ملنر اقترحت أن يعترف لمصر باستقلالها، فيصبح إذن أن نعتبر أن غايتنا من الوصول إلى التفاهم ميسورة من حيث المبدأ. أما ما يتعلق بمقترحات اللورد ملنر، فإنه إذا كانت الحكومة الإنجليزية لم تبد رأيها بشأنها، فإن مصر أبدت عنها بعض التحفظات، وتنحصر وجهة النظر المصرية في أن الضمانات التي تطلب من مصر لا يتسنى قبولها إلا إذا كانت غير منافية لمبدأ الاستقلال.

اللورد كيرزن- إن الموقف هو في الواقع كما شرحتموه، وحبذا لو أوقفتموني على التحفظات المصرية. وسأحيطكم علما بآرائي. وإذا كان مجلس الممتلكات قد فحص المسألة المصرية، فسأحيط الوفد أيضا علما بما أبداه من الآراء، وسأعمل كل ما في مقدوري لأحصر كل المناقشات معكم، ولكني أرجو أن يسمح لي الوفد، نظرا لمشاغلي العديدة، أن أنيب عني أحيانا في غير المسائل الأساسية، بعض كبار موظفي وزارة الخارجية الاختصاصيين.

(ثم ختم حديثه بالسؤال الآتي: "لكم برنامج طبعا؟" فأجابه عدلي باشا: "برنامجنا ينحصر في أن مصر تريد استقلالها و إلغاء الحماية. أما الضمانات فهو أمر يعنيكم، ونحن مستعدون للمناقشة فيها على هذا الأساس"). وعلى هذا انتهى الحديث.

واستمرت المفاوضات . . . .

Edmund Henry Hynman Allenbyمحضر الجلسة العاشرة
بين دولة عدلي باشا وبين المستر لندسي يساعده المستر مري
في يوم الجمعة ١٩ أغسطس سنة ١٩٢١ بوزارة الخارجية

عقدت الجلسة في الساعة العاشرة والربع صباحا. وحضرها عدلي باشا بمفرده. وحضرها مع المستر لندسي المستر مري. وقد جرى الحديث في الموضوعات التي دار بشأنها البحث في الجلسة الماضية. أما الموظف القضائي فقد قال فيه عدلي باشا إنه لن تقبل مصر وجود هذا الموظف. لأنه إما أن يتسلط علي الإدارة جميعها أو أن يصبح ولا عمل له. أما الأولى فلا قبل لنا بقبولها، وأما الثانية فلا ترضيكم ويكون أمرها غريبا بالنسبة لموظف ينص على وجوده في معاهدة. ويهمنا تحديد ما تقصدون بوجود هذا الموظف. أنتم لا تفكرون طبعا في إنشاء رقابة على الإدارة المصرية. وأظنكم لا ترمون لأكثر من تسكين روع الأجانب وتطمينهم. فأمن المستر لندسي على ذلك. وقرر أن الغرض منه تطمين الأجانب. فقال عدلي باشا: فلنبحث إذن في الوسيلة التي تؤدي لهذه الغاية، ويلاحظ مبدئيا أن الذي يهم الأجنبي إذا وقعت به مظلمة أن يستطيع أن يبث شكواه لأجنبي ذي اختصاص في رد مظلمته. وأن يختلف إليه لمعرفة ما تم في أمره، والموظف القضائي بعيد عن أن يكون حاله كذلك بالنسبة للأجانب. وكل ما يقدّر من الاتصال بينه وبينهم هو المكاتبة والتبليغ. وقد اقترح في العام الماضي أنه في المدن التي يكثر فيها العنصر الأوروبي يستبقي الحكمدار الإنجليزي إلى حين وأظن أن المصريين لا يجدون في ذلك غضاضة لأنه موظف مصري محدود الاختصاص بأعمال الضبط في بلد معين، فلا يخشى أن يشتغل بأمور البلد العامة أو أن يتداخل فيها. وبصرف النظر عن استبقائه كجزء من الاتفاق بين مصر وإنجلترا فإن الحكومة

المصرية يهمها إلى حدّ ما أن تستبقي هؤلاء الموظفين رغبة منها في مجاملة الأجانب. ولتستعدّ لتنظيم شؤون الضبط في هذه المدن على صورة تكفل راحة الأجانب وأمنهم.

وجرى بعد ذلك حديث انتهى الجانب الإنجليزي منه إلى التسليم بأنه ما دام الغرض قاصرا على تطمين الأجانب فليس ما يمنع من النظر في اقتراح آخر غير اقتراح المندوب القضائي. ثم أفضوا إلى الرضى ببقاء الحكمدارين ضمانا. ولكنهم عقبوا على ذلك بأن تعدد الحكمدارين في المدن الثلاثة من شأنه أن يدعو إلى النظر في إيجاد صلة تربط ما بينهم لوضع القواعد العامة التي يلتزمونها في أداء أعمالهم، وربما دعا هذا إلى تعيين موظف في وزارة الداخلية ليوحد أعمالهم وينشئ الاتصال اللازم بينهم. ثم لاحظوا أن عمل الحكمدارين قاصر على مسائل الضبط والبوليس، وأنه قد يحتاج إلى استبقاء عنصر أجنبي فيما يتعلق بتطبيق اللوائح الإدارية. وذكروا على سبيل المثال إمكان استبقاء مستشار سلطاني أوروبي بوزارة الحقانية باختصاصه الحالي، وأن شعور الأجانب بأن أجنبيا يشترك - أيا كان قدر ذلك الاشتراك - في ملاحظة تطبيق اللوائح من شأنه أن يزيد في اطمئنانهم. فقال عدلي باشا:

أنه لا يبت برأى في أى من هذه الاقتراحات حتى الاقتراح الخاص باستبقاء الحكمدارين الإنجليز وسيتداول فيها مع زملائه، فوعده المستر لندسى بأن يدوّن ملاحظاته كتابة ويبعث بها إليه.

ثم انتقلوا إلى موضوع المندوب المالى. فقال عدلى باشا: نحن نسلم بمبدأ وجوده وجواز استشارته على الطريقة التى بيناها فى الصيغة التى بعثنا بها إليكم. ولكن يجب أن يكون أساس وجوده هو أن تؤول إليه اختصاصات صندوق الدين، أما إذا بقى مجردا منها فلا يمكننا تبرير وجوده لدى المصريين. وأذكر أنه فى مؤتمر سان ريمو اتفق على شئ بشأن إلغاء صندوق الدين. وهذا مما يسهل مسألة المندوب المالى.

فأجاب المستر لندسى بأنهم وضعوا فعلا نصا كذلك فى المشروع الأول لمعاهدة سيفر. ولكنه اعترض عليه بأن لا علاقة له بالصلح مع تركيا ولذلك حذف من المشروع النهائى. فقال عدلى باشا: مسألة صندوق الدين مستقلة عن الامتيازات وفى مقدوركم أن تسعوا لدى فرنسا وإيطاليا للحصول على موافقتهما على إلغائه. فقال المستر لندسى : تعلمون أن الدول تساوم دائما فى أمثال هذه المسائل فخير أن تكون الامتيازات وصندوق الدين صفقة واحدة. وعلى أى حال يجب أن يوضع نظام مؤقت لتأمين الأجانب على استمرار الرخاء واليسر فى المالية المصرية حتى تفرغ من المفاوضة بشأن صندوق الدين. ولهذا ألا ترون أن وجود موظف تنفيذى كوكيل إنجليزى فى وزارة المالية له مزية تطمين الأجانب. فبين له عدلى باشا صعوبة ذلك، فاقترح المستر لندسى أن ينص فى المعاهدة على أنه إذا ألغى صندوق الدين حل محله باختصاصاته الحالية مندوب مالى إنجليزى إلى آخر موضوع جواز استشارته، وأنه حتى يتم هذا الإلغاء يقوم بهذه الاستشارة المندوب الإنجليزى فى صندوق الدين، فتوقف عدلى باشا عن البت فى هذا الاقتراح واعدا أن يتداول فيه مع زملائه.

ثم انتقلوا إلى موضوع الموظفين الأجانب وشرح لهم عدلى باشا صعوبة وضع نص فى المعاهدة يلزم مصر بالاتفاق مع ممثل انجلترا كلما أريد تعيين أجنبى، فوعى المستر لندسى ملاحظة عدلى باشا ولم ينتهوا فى هذا الصدد إلى حل. ثم طلب المستر لندسى من عدلى باشا أن يرجو صدقى باشا أن يتبادل الرأى فى موضوع الديون التركية التى يدفع الويركو سدادا لها مع موظف كبير فى وزارة المالية الإنجليزية. ثم أشار إلى قناة السويس وما يطلب من مصر من الرضى بالاتفاق مع الشركة على تجديد امتيازها. فاعترض عدلى باشا بأن هذه المسألة لا شأن لها بالاتفاق السياسى بين انجلترا ومصر. فقال المستر لندسى: ولكن الأمر يهم مواصلات انجلترا، وبهذه الصفة تكون العناية بالقناة واستدامة صيانتها أمرا سياسيا.

ورفعت الجلسة.

 أما السبب في طول مدى المفاوضات فيرجع إلى أن عدلي أراد  أن تنسحب القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس وإعادة وزارة الخارحية المصرية ويكون لمصر حرية التمثيل السياسي في الخارج . وكان كيرزون يطيل المفاوضات أملا في أن تفتر عزيمة مصر ، فخشى المندوب السامي البريطاني في مصر أن يؤدي فشل المفاوضات إلى أن يرتفع سعد إلى قمة الثورة ،  اقترح اللورد اللنبي على مجلس الوزراء – يوم 3 نوفمبر عام 1921 – ان تنسحب القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى مناطق منعزلة خارج المدينتين بعد عام من الهدوء ، إذا تحقق ، رفض رئيس الوزراء لويد جورج خوفاً على الأحوال الداخلية في بريطانيا وحتى يبدو متشدداً ، وفي 10 نوفمبر، أي بعد أسبوع قدم كيرزون إلى عدلي مشروع معاهدة جديد وافق عليه مجلس الوزراء البريطاني بمنح مصر إستقلالاً ذاتياً بشرط أن تكون سياستها الخارجية متفقة ومتناسقة مع السياسة البريطانية وأن يبقى موقع ومنصب المندوب السامي كما هو ويحتفظ بلقبه وتبقى القوات البريطانية في مصر ،  ولكن عدلي رفض التنازلات واعتبرها غير كافية ، وفي 19 نوفمبر أنهى عدلي المفاوضات ، إذ وجد  أن قطع المفاوضات خير من قبول شروط إنجلترا حتى يعود إلى مصر دون أن يستطيع أحد التشكيك في وطنيته.

 وطلب كيرزون إلى عدلي ألا ينشر في مصر المقترحات البريطانية وأن يرجئ الإستقالة ،  أيدت صحيفة واحدة في لندن الجكومة البريطانية. أما باقي الصحف فقد أعلنت بصورة علنية عن شكها في حكمة حكومتها!

 ويعود عدلي إلى مصر يوم 5 ديسمبر – بعد خمسة أشهر قضاها في لندن – ويقدم إستقالته إلى السلطان أحمد فؤاد – الملك فؤاد فيما بعد – بعد ثلاثة أيام من عودته فيتردد السلطان في قبولها 16 يوماً. أما السبب فيرجع إلى أن السلطان كان يبحث عن مصري يقبل رئاسة الوزارة في ظروف الإحتلال ونفوذ إنجلترا العالمي بعد إنتصارها في الحرب العالمية الأولى .

Related Articles

محمود باشا سامى البارودى

محمود باشا سامى البارودى

الأمير محمد توفيق

الأمير محمد توفيق

حسن صبرى باشا

حسن صبرى باشا